ملتقى الحياة الفكري

منتدى للإبداع الفكري والشعري ولتبادل المعرفة و الإرتقاء بالفكر العربي
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الهايكو العربي بين البنية والرؤى ،

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أحمد العربي



المساهمات : 371
تاريخ التسجيل : 17/07/2016

مُساهمةموضوع: الهايكو العربي بين البنية والرؤى ،   الجمعة سبتمبر 16, 2016 11:01 pm

الهايكو العربي بين البنية والرؤى ، 2 – 2

بشرى البستاني
2015 / 6 / 10

أ.د. بشرى البستاني
**
الهايكو قصيدة مكثفة مكتفية بذاتها وإن كانت بثلاثة أسطر، وليست مقطعا في قصيدة طويلة تتكون من مقاطع عدة ، ولذا فهي لا تحتاج لغيرها كي يكتمل معناها ومن أجل ذلك ، لجأ بعض شعراء الهايكو الى وضع عنوان لكل هايكو كما وجدنا في مجموعة الأسعد "تهمس البوكنفيليا مثقلة بأزهارها الحمراء" تأكيدا لاستقلاليتها . إن المهتمين بفن الهايكو يُجمعون على أن بناءه يقوم عضوياً على ثلاثة أسطر ، وأن التشكيل فيه يتنوع بحسب قدرة كاتبه وثراء أدواته بعيداً عن التجريد والتشبيه والأفكار المباشرة ، ويُعدُّ هذا التشكيل سمة الهايكو الأساسية في تجسيد العواطف والأفكار كما يؤكد رائد الهايكو العربي الشاعر محمد الأسعد أول الشعراء العرب الذين ترجموه وكتبوه بتمكن ووعي بطبيعته وظروف نشأته ومرجعياته وسمات فنه ، مواصلاً انّ هذا الفن في تكثيفه اللغوي يتجنب كل ما يقف حائلا بين الشاعر وموضوعه من تشبيه ومجاز وتجسيد وتشخيص انطلاقا من ضرورة الوصول للحظة ادراك قصوى حيث لا شيء يشبه شيئا ، فاعتباطية العلاقة بين ركني العلامة حسب سوسير كرست الالتباس والمابين . ولكونه يصور الأشياء في طبيعتها الحركية ضمن اعتراكها الحيوي وفاعليتها العارمة إذ تتجلى لحظة الاستنارة التي غادرت التمزق وانقسام الوجود الى ذات وموضوع الى لحظة اكتشاف الكيننونة العميقة في الكون. كما يشير لأهمية الانتباه لسمة الانسجامات اللغوية التي تنسج خيوط ثلاثة أسطر بجمالية جرس الالفاظ والحركات الاعرابية والميزان الصرفي لما لها من دلالات شعورية في اللغة العربية ، فضلا عن السمة البصرية التي يسميها الاسعد "لغة الحضور" وصولا الى لحظة الاستنارة. (محمد الأسعد ، مقدمة مجموعة "تهمس البوكنفيليا.... 97-99" ، ضمن الأعمال الشعرية) كل ذلك يمنح الإنسان ما يحتاجه من صفاء ونشاط ذهني ومن إثارة وفرح بلذة الكشف ، ومن قدرة على التعلم من مرونة الطبيعة ورحابتها لنقل هذه المرونة الى التعامل الإنساني بعيدا عن التسلط والتعسف والوقوف عند الرأي الواحد والاستبداد بصنع قرار أحادي ، وذلك بسبب ما تتيحه قراءته من تعددية وانفتاح .

ولدى تأملنا هذه التجربة نجد أن في الشعر الاعتيادي مجالاً لتمارسَ اللغة وظيفتها التواصلية بين آنٍ وآخر كي تمنح مجالا للوظيفة الشعرية أن تكشف عن جمالياتها ، وطولُ القصيدة يسمح بهذا التراتب ، أما في الهايكو فليس ثمة حيزٌ لفعلٍ غير شعري لشدة الإيجاز اللغوي واقتصاده ، وذلك يوجب على الشاعر الاختيار الدقيق لكل مفردة ، وكل حرف والانتباه لمحوري الاختيار والتأليف معا انتباها بالغ الدقة ليكون المشهد المكثف التقاطة سريعة مكتنزة بفتنة البساطة ، ومؤدية لمقاصدها وقادرة على السمو باللغة العربية الثرية وذات العمق التاريخي والحس الفني إلى مستويات أكثر خصبا بعد أن أهلها القرآن الكريم لذلك . لقد تمكنت سمات فن الهايكو الياباني لرحابتها من عبور الشعر إلى فنون ومظاهر حضارية أخرى كما يشرح نقاده ، واستطاعت أن تتجاوز حدود بيئتها ومنشأ وجودها في اليابان إلى آداب الدول المختلفة في بلدان الشرق الأقصى وآداب الغرب ، فحضرت في بلاد الهند والصين وروسيا وأوربا وأمريكا ،بسبب قدرة هذا الفن على مخاطبة روح الانسان أينما كان ، وكون لعبته الفنية تشتغل بمفردات الطبيعة التي تعد أم البشرية المشتركة ، فضلا عن قدرته على التكيف مع متغيرات الزمن وتباين الحضارات ، ولهذه السمات التي ميزته من حيث دقة التشكيل التي تراوغ القارئ ببساطة تخفي طاقة كبيرة على بث الدلالة ، ولما يحمل من دعوة لخلاص إنساني عام يمكنه من تحقيق سلام الروح وطمأنينة النفس وتوفير الشعور بالأمن الداخلي . ولعل غنى اللغة العربية ومرونتها ورهافتها وثراءها ، أتاح وسيتيح لكتاب الهايكو العرب والمجربين اكتشاف نجاح مهم في تحقيق جماليات جديدة في شعريتنا العربية ، لا سيما وأن الهايكو العربي سيطوع النموذج للتعبير عما تموج به حياتنا العربية من معاناة ومكابدة ومحن وفقدان وتراث معرفي ، وعما يعتلج في النفس من أسئلة محنة وجودية ومشاعر اغتراب سببتها مادية الحضارة المعاصرة وعدوانيتها ، كما سيعبر عن لحظات فرح يتيحها هذا التوجه لفضاء الطبيعة الجمالي وما يمنحه للانسان من صفاء ولحظات عذوبة نقية ، لكن بأسلوب جديد ، مما سيؤدي إلى توسيع أفق هذا الفن الذي بدأ بالحوار مع الطبيعة وزهرها وشجرها ومائها وفراشاتها وحيواناتها ، لكن كل ذلك لا يطرح مباشرة بل عن طريق التكثيف والمفارقة والايجاز الذي يبث مقاصده بوساطة الإيحاء الذي يُعدُّ روح الشعرية وسمتها المهمة . ولعل النماذج المطروحة من نصوص الهايكو العربي تتيح للدارسين فرصة الكشف عن طرائق بنى الهايكو في دراسات تطبيقية تأخرت كثيرا في العمل على فحص هذه التجربة والكشف عن خصوصيتها في الثقافة العربية ، لما في ذلك من أهمية في إضاءة التنوع والتلوين في التشكيل الهايكوي العربي ما بين الحركية والتوازن ، ما بين حضور الأسس وتنوع التشكيل ، ما بين قطع ووصل وتقديم وتأخير ، وبين طرائق تشكيل المطلع والانتهاء بالقفل ، فضلا عن الدور الذي يلعبه اختيار المفردة وإيقاعها في السياق ، ومدى تفاعلها مع كلية النص في بناء هذا الفن .

**
إن ماكس جاكوب يعطي في المقدمة التي كتبها لمجموعة قصائده النثرية ، أهمية خاصّة للبناء الشكلي ، فالقصيدة في نظره مادّة مبنيّة قبل كلّ شيء والمعوَّل عليه في بناء شعريّتها مقوّمان اثنان أطلقَ عليهما مصطلحي الأسلوب والوضع ، ومقصده بالأسلوب يتّصل بإرادة الخلق أي بالوعي الفنّي المنظم الذي لا يقتصر على لغة الشاعر وإنما يشمل كل ما يحقّق وحدة العمل الفنّي في جوهره المتماسك والمفصح عن بنية مغلقة صارمة لشدة إيجازها لغويا وانفتاحها دلاليا ، وهنا يكمن سر شعريتها . وأمّا الوضع فيتعلّق بما يثيره العمل من انفعال جمالي في المتلقّي، فالإرادة الواعية هي التي تجهد في العمل على خلق نصٍّ ينبغي أن يكون كلاّ عضويّا مس
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الهايكو العربي بين البنية والرؤى ،
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
ملتقى الحياة الفكري :: المنتديات الأدبية :: المنتدى الادبي العام-
انتقل الى: